السعيد شنوقة

261

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الكامل بمثابة كل الحقيقة من باب ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة : 2 ] أي الكامل « 1 » . ويتبين هنا أن الحمل على الجنس دون الاستغراق إنما هو للمحافظة على المذهب وتكريس خلفيته غير أنه يحتمل النظر لأنه من الممكن حمله على الاستغراق دون الجنس أيضا وذلك بتنزيله تعالى محامد غيره منزلة العدم بالقياس إلى محامده . ومن هنا قيل : إنه لا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في أنهما ينافيان في الظاهر طريقة المعتزلة ، ومنافاتهما مدفوعة بأحد الوجهين المذكورين « 2 » . وأجرى المعتزلة الإيمان المعدى بالباء على طريقة أهل اللغة بمعنى التصديق ؛ ففي قوله عز وجل : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] ذهب الزمخشري إلى أن تعدية الإيمان بالباء يتضمّن معنى الإقرار والاعتراف ، وذكر في معناه اللغوي أنه يقول آمنه إذا صدقه « 3 » . لقد اتفق المعتزلة على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق ولذلك يقال : فلان آمن بالله وبرسوله . أما الإيمان بمعنى أداء الواجبات فلا يمكن فيه هذه التعدية إذ لا يقال : آمن فلان بكذا إذا صلى وصام ، وإنما يقال : آمن فلان بالله كما يقال : صلى وصام لله . واتفقوا في ذكر الإيمان مطلقا غير معدّ على أنه منقول من معناه اللغوي الذي هو التصديق والإقرار إلى معان اختلفوا فيها : أولها : أن الإيمان فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أم مندوبة أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات وهو ما قال به واصل بن عطاء وأبو الهذيل العلّاف والقاضي عبد الجبار . الثاني : أنه فعل الواجبات دون النوافل وهو قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هشام . الثالث : أنه عبارة عن تجنب ما جاء فيه الوعيد وهو قول النظام « 4 » .

--> ( 1 ) انظر ابن هشام ، مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 93 . ( 2 ) انظر حاشية الشريف الجرجاني ، الكشاف ، ج 1 ، ص 52 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 126 - 127 . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 329 وما بعدها . وكذا فخر الدين الرازي ، مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 24 . -